سيد محمد طنطاوي
237
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
قال الفخر الرازي : اعلم أنه - تعالى - لما استقصى الكلام مع اليهود ، شرع هاهنا في الكلام مع النصارى ، فحكى عن فريق منهم أنهم قالوا : إن اللَّه هو المسيح بن مريم . وهذا هو قول اليعقوبية لأنهم يقولون : إن مريم ولدت إلها ، ولعل معنى هذا المذهب أنهم يقولون : إن اللَّه - تعالى - حل في ذات عيسى واتحد بذات عيسى « 1 » . واللام في قوله : * ( لَقَدْ كَفَرَ ) * واقعة جوابا لقسم مقدر . والمراد بالكفر : ستر الحق وإنكاره والانغماس في الباطل والضلال . أي : اقسم لقد كفر أولئك النصارى الذين قالوا كذبا وزورا : إن اللَّه المستحق للعبادة والخضوع هو المسيح ابن مريم . وقد أكد - سبحانه - كفرهم بالقسم المقدر لأنهم غالوا في إطراء عيسى وفي وضعه في غير موضعه كما غالت اليهود في الكفر به وفي وصفه بالأوصاف التي هو برئ منها . ثم حكى - سبحانه - ما قاله عيسى في الرد على من جعلوه إلها فقال : * ( وقالَ الْمَسِيحُ يا بَنِي إِسْرائِيلَ اعْبُدُوا اللَّه رَبِّي ورَبَّكُمْ ) * . أي : وقال المسيح مكذبا لمن وصفه بالألوهية : يا بني إسرائيل اعبدوا اللَّه وحده ولا تشركوا به شيئا ، فهو ربي الذي خلقني وتعهدنى بالتربية والرعاية ، وهو ربكم - أيضا - الذي أنشأكم وأوجدكم ورزقكم من الطيبات . والواو في قوله : * ( وقالَ الْمَسِيحُ ) * للحال . والجملة حالية من الواو التي هي فاعل * ( قالُوا ) * . أي : قالوا ما قالوا ، والحال أن عيسى قد تبرأ مما قالوه . وقال لبنى إسرائيل حين إرساله إليهم : اعبدوا اللَّه ربي وربكم . وقوله : * ( رَبِّي ورَبَّكُمْ ) * تنبيه إلى ما هو الحجة القاطعة على فساد قولهم المذكور لأن عيسى لم يفرق بينه وبين غيره في العبودية للَّه - تعالى - لأنه - سبحانه - هو الخالق له ولهم ولكل شيء . ثم حكى - سبحانه - ما قاله عيسى محذرا من الإشراك فقال : * ( إِنَّه مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّه فَقَدْ حَرَّمَ اللَّه عَلَيْه الْجَنَّةَ ومَأْواه النَّارُ وما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ ) * . وهذه الجملة تعليل للأمر بعبادة اللَّه وحده . والضمير المقترن بأن ضمير الشأن والمراد بتحريم الجنة على المشرك : منعه من دخولها ، لإشراكه مع اللَّه آلهة أخرى . والمأوى : المكان الذي يأوى إليه الإنسان . أي يرجع إليه ويستقر فيه .
--> ( 1 ) راجع تفسير الفخر الرازي ج 12 ص 59